الطقس والمناخ

الضباب في المرتفعات الجنوبية: غيوم تمشي على الأرض

في السودة وأبها والباحة، قد تجلس داخل غيمة. هذا الضباب الذي يجذب المصطافين درسه الباحثون مصدراً للماء، ويحذر منه السائقون على طرق الجبال.

في مطلات السودة، قد يكون المشهد أمامك واضحاً حتى الأفق، ثم تتسلل كتلة بيضاء من الوادي وتصعد السفح، وفي دقائق لا ترى إلا أمتاراً قليلة حولك. الهواء يبرد، والأشجار تقطر ماءً، والأصوات تخفت. هذا هو ضباب المرتفعات الجنوبية الغربية، الذي صار جزءاً من هوية عسير والباحة السياحية.

والضباب ليس مشهداً جميلاً فقط. فهو ظاهرة جوية لها أسباب ومواسم، ودرسها باحثون سعوديون مصدراً محتملاً للماء العذب، وتحذر منها الجهات المختصة على طرق الجبال. وفي هذا المقال نجمع هذه الزوايا كلها، ونشرح كيف تتغير حالة الطقس في الجبال حين يحضر الضباب.

ما الضباب أصلاً

الضباب في جوهره سحابة ملامسة للأرض. يتكون حين يبرد هواء رطب حتى يصل إلى درجة التشبع، فيتكثف بخار الماء فيه إلى قطيرات دقيقة معلقة. ويحدث هذا التبريد بطرق مختلفة: إما لأن الأرض تفقد حرارتها في ليلة صافية فيبرد الهواء الملامس لها، أو لأن هواءً رطباً يتحرك فوق سطح أبرد منه، أو لأنه يُدفع إلى الصعود على سفح جبل فيبرد كلما ارتفع.

وفي المرتفعات الجنوبية الغربية يجتمع أكثر من عامل: هواء رطب قادم من البحر الأحمر وتهامة، وجبال شاهقة تجبره على الصعود، وحرارة تنخفض مع الارتفاع. ولهذا يتكرر الضباب على القمم والسفوح، بينما تبقى السماء صافية في المناطق المنخفضة المجاورة في كثير من الأيام.

الضباب مصدراً للماء

في عام 2007 نشرت مجلة Water and Environment Journal دراسة لباحثين من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن درست الظروف الطبوغرافية والمناخية في 27 مدينة سعودية لتحديد أنسب المواقع لجمع الماء من الضباب. وخلصت الدراسة إلى أن جنوب غرب المملكة هو الأنسب، وأجرت تجاربها في موقعين قرب أبها في السودة باستخدام مجمعات ضباب قياسية.

وسجلت الدراسة أقصى كمية ماء مجموعة بلغت 22.9 لتراً للمتر المربع في يوم واحد، و7.25 لتراً للمتر المربع في ساعتين. ووجدت أن احتمال الضباب يكون مرتفعاً حين تتجاوز الرطوبة النسبية 95 بالمئة. وحللت جودة الماء المجموع ووجدت أن مستوى المعادن الثقيلة فيه ضئيل، وخلصت إلى أن الضباب يمكن أن يكون مصدراً مكملاً للماء في المناطق التي يكثر فيها.

وفي عام 2009 نشرت مجلة Water Resources Management دراسة أخرى عن جمع ماء الضباب في منطقة عسير، استخدمت مجمعات على ارتفاعات مختلفة في الجبال. وأشارت إلى أن المواقع الأعلى في السودة أعطت إنتاجاً أكبر من المواقع الأدنى في مدينة أبها، وإلى أن بيانات محطات الأرصاد القياسية لا تكفي وحدها لتحديد أفضل مواقع جمع الضباب. والنتيجة الأهم للقارئ العادي أن الضباب في عسير ليس عابراً، بل متكرر بما يكفي ليُدرس مصدراً للماء.

الرطوبة في الجبال بالأرقام

لا تتوفر في بيانات ERA5 التي نستخدمها قياسات مباشرة لأيام الضباب، لكن الرطوبة النسبية تعطي فكرة عن الظروف المهيئة له. في أبها يبلغ متوسط الرطوبة في يناير 67٪ وفي أغسطس 64٪، بينما ينخفض في يونيو إلى 41٪. وفي الباحة يبلغ في يناير 63٪ وفي أغسطس 58٪.

هذه متوسطات يومية، والضباب يحدث حين ترتفع الرطوبة إلى قرب التشبع في ساعات معينة، خصوصاً في الليل والصباح الباكر أو مع وصول السحب إلى القمم بعد الظهر. لكن النمط واضح: فترتان رطبتان في السنة، شتوية وصيفية، تفصل بينهما فترة أجف في أوائل الصيف. ومن يتابع طقس الباحة في أغسطس يرى كيف تتكرر أيام الضباب والسحب المنخفضة.

ويلاحظ أن هذه الأرقام تأتي من نقطة شبكة قد لا تطابق ارتفاع المطلات الأعلى. فالسودة أعلى من أبها، والرطوبة والضباب فيها أكثر، كما توحي دراسات جمع الضباب نفسها.

الضباب والسياحة

صار الضباب عنصر جذب في عسير والباحة. فالهيئة السعودية للسياحة تذكر على موقع "روح السعودية" جولات تشمل "مطلات الضباب" في أبها، وتجربة تجمع "ضباب السودة" مع تراث رجال ألمع. ونشرت صحيفة غلف نيوز تقارير مصورة عن الضباب الذي يغطي مرتفعات الباحة والمندق في الصيف، بوصفه مشهداً يحول الصيف إلى ملاذ سياحي.

والسر في هذه الجاذبية أن الضباب يقدم ما لا يتوقعه زائر الجزيرة العربية: هواءً بارداً رطباً في عز الصيف، ومشاهد غائمة غامضة تشبه مناطق أخرى من العالم. ولهذا تمتلئ المطلات في أيام الضباب بالمصورين والعائلات.

ضباب في غير الجبال

الضباب لا يقتصر على المرتفعات الجنوبية. ففي نجد والوسط قد يتكون ضباب في صباحات الشتاء والخريف بعد الأمطار، حين تبرد الأرض الرطبة ليلاً. ويذكر مرصد جامعة المجمعة الفلكي في حديثه عن منزلة الغفر، في قلب موسم الوسم، أن نزول الندى وظهور الضباب يبدأ فيها خاصة في الأيام الممطرة. لكن هذا الضباب يختلف عن ضباب الجبال في أنه أقل تكراراً ويتبدد عادة مع ارتفاع الشمس.

الضباب والسحاب والغبار: كيف تفرق بينها

قد يختلط على الزائر الضباب بالسحب المنخفضة وبالغبار، لأن الثلاثة يخفضون الرؤية. والفرق بسيط: الضباب سحابة ملامسة للأرض، رطب يبلل الوجه والملابس ويقطر من الأشجار، ولونه أبيض أو رمادي فاتح. والسحب المنخفضة هي الشيء نفسه حين تكون فوق المكان الذي تقف فيه، فمن يقف على قمة قد يكون داخل سحابة يراها من في الوادي غيمة فوق الجبل. أما الغبار فجاف، لونه بني أو أصفر، ويترك أثراً ترابياً، ويأتي مع رياح نشطة لا مع هواء رطب ساكن.

وفي المرتفعات الجنوبية الغربية يحضر الضباب والسحب المنخفضة كثيراً، بينما يقل الغبار مقارنة بالشرق والوسط. ولهذا فإن انخفاض الرؤية في عسير والباحة يكون في الغالب ضباباً رطباً، ويحتاج من السائق انتباهاً لانزلاق الطريق المبتل أيضاً.

القيادة في الضباب

الضباب على الطرق الجبلية من أخطر ظروف القيادة، لأنه قد يظهر فجأة عند منعطف، ويخفض الرؤية إلى أمتار. وهذه نصائح عامة للقيادة في الضباب:

  • خفف السرعة إلى حد يسمح لك بالتوقف ضمن المسافة التي تراها أمامك.
  • استخدم الأضواء المنخفضة وأضواء الضباب إن وجدت، فالأضواء العالية تنعكس على قطرات الضباب وتقلل الرؤية.
  • زد المسافة بينك وبين السيارة الأمامية، ولا تتجاوز في الضباب.
  • لا تتوقف على مسار الطريق. إن اضطررت للتوقف، ابتعد عن الطريق تماماً في مكان آمن وشغّل أضواء التحذير.
  • تابع تنبيهات المركز الوطني للأرصاد، فهو ينبه إلى تكون الضباب على المرتفعات في تقاريره.

خلاصة

ضباب المرتفعات الجنوبية الغربية ظاهرة متكررة، لا عابرة. تصنعها الجبال حين تدفع الهواء الرطب إلى الصعود، وتتكرر بما يكفي لتُدرس مصدراً للماء، وتجذب بما يكفي لتصبح عنصراً سياحياً. ومن يزور السودة أو الباحة في أيام الضباب يعيش تجربة فريدة، بشرط أن يحترم الطريق الجبلي ويقود بحذر.

المصادر

  1. Gandhidasan & Abualhamayel, Fog collection as a source of fresh water supply in the Kingdom of Saudi Arabia، Water and Environment Journal، 2007
  2. Al-hassan, Fog Water Collection Evaluation in Asir Region, Saudi Arabia، Water Resources Management، 2009
  3. عسير، الموقع الرسمي للسياحة السعودية (روح السعودية)
  4. Saudi Arabia: Mystical fog envelops highlands, turning summer into a scenic retreat، Gulf News
  5. يبدأ غدًا.. المرصد الفلكي يوضح خصائص منزلة «الغفر» على المناخ والنبات، صحيفة عاجل نقلاً عن مرصد جامعة المجمعة الفلكي، 9 نوفمبر 2021